السيد نعمة الله الجزائري

135

الأنوار النعمانية

وينظر إلى هذا قول بعض العارفين انّي أقول يا رب يا اللّه فأجد ذلك أثقل على قلبي من الجبال ، لأنّ النّداء يكون من وراء حجاب ، وهل رأيت جليسا ينادي جليسه ، وقد أشار بعضهم إلى مثل هذا حيث قال : كانت لقلبي أهواء مفرّقة * فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائي فصار يحصدني من كان أحسده * وصرت مولى الورى إذ صرت مولائي تركت للناس دنياهم ودينهم * شغلا بذكرك يا ديني ودنيائي وذلك ان لذة الذكر أعلى من كل لذة لأنّه من واردات القلوب ، ولذات القلب أعظم من لذات الحواس في النّشأتين ، لأن الجنة معدن تمتع الحواس فاما القلب فلذته في لقاء اللّه فقط ومثاله في أطوار الخلق في لذاتهم ما نذكرهم ، وهو ان الصبي في أول حركته وتمييزه يظهر فيه غريزة بها يستلذ اللعب واللهو حتى يكون ذلك عنده ألذ من سائر الأشياء ، ثم يظهر بعده لذة الوقاع وشهوة النساء فيترك بها جميع ما قبلها في الوصول إليها ، ثم يظهر له لذة الرئاسة والعلو والتكابر وهي آخر لذات الدنيا وأقواها كما قال تعالى اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ الآية ثم بعد هذا يظهر له غريزة أخرى يدرك بها لذة معرفة اللّه تعالى ومعرفة افعاله فيستقر معها جميع ما قبلها وكل متأخّر فهو أقوى وهذا هو الأخير إذ يظهر حب اللعب في سن التمييز وحب النساء والزينة في سن البلوغ وحب الرئاسة بعد العشرين وحب العلوم بعد الأربعين وهي الغاية العليا وكما أن الصبي يضحك على من يترك اللعب ويشتغل بملاعبة النساء وطلب الرئاسة ، وكذلك الرؤساء يضحكون على من يترك الرئاسة ويشتغل بمعرفة اللّه تعالى والعارفون يقولون إن تسخروا منا فانا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون ، ولكن الأشغال بمعرفة اللّه تعالى يقتضي ان لا يصدر منه شيء من المعاصي ولقد أحسن ابن المبارك في قوله حتى أن الصادق عليه السّلام تمثل به : تعصي الإله وأنت تذكر حبه * هذا لعمري في الفعال بديع لو كان حبك صادقا لأطعته * ان المحب لمن يحب مطيع وروي عن ذي النون المصري أنه قال خرجت يوما من وادي كنعان ، فلما علوت الوادي فإذا انا بسواد مقبل عليّ وهو يقول وبدا لهم من اللّه ما لم يكونوا يحتسبون ويبكي ، فلما قرب اليّ فإذا هي امرأة عليها جبة صوف وبيدها ركوة فقالت من أنت غير فزعة مني ، فقلت رجل غريب ، فقالت يا هذا هل توجد مع اللّه غربة قال فبكيت من قولها فقالت ما الذي أبكاك قلت قد وقع